صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

1255

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

التواضع الآيات / الأحاديث / الآثار 8 / 43 / 15 التواضع لغة : مصدر تواضع أي أظهر الضّعة ، وهو مأخوذ من مادّة ( وض ع ) الّتي تدلّ على الخفض للشّيء وحطّه ، يقال : وضعته بالأرض وضعا ، ووضعت المرأة ولدها . والوضائع قوم ينقلون من أرض إلى أرض يسكنون بها ، والوضيع الرّجل الدّنيّ ، والدّابة تضع في سيرها وضعا وهو سير سهل يخالف المرفوع قال الشّاعر : « 1 » مرفوعها زول وموضوعها * كمرّ صوب لجب وسط ريح وقال الرّاغب في مفرداته : الوضع أعمّ من الحطّ ومنه الموضع قال تعالى : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ * ( النساء / 46 ) و ( المائدة / 13 ) وقد يستعمل هذا في الإيجاد والخلق كما في قوله سبحانه وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ ( الرحمن / 10 ) . ويقال رجل وضيع بيّن الضّعة في مقابل : رفيع بيّن الرّفعة ، وقال في الصّحاح « ووضع الرّجل ( بالضم ) يوضع ضعة وضعة أي صار وضيعا ، ووضع منه فلان أي حطّ من درجته والتّواضع التّذلّل ، والاتّضاع أن تخفض رأس البعير لتضع قدمك على عنقه فتركب قال الكميت : إذا اتّضعونا كارهين لبيعة * أنا خوا لأخرى والأزمّة تجذب ورجل موضّع أي مطّرح ليس بمستحكم الخلق « 2 » . قلت : وصيغة تفاعل من هذا الأصل تدلّ على الإظهار كما في تغافل بمعنى أظهر الغفلة وإن لم يكن غافلا على الحقيقة وكما في تعامى أي أظهر العمى ، وتباكى أظهر البكاء ، ومن هنا تكون صفة التّواضع سمة لمن أظهر الضّعة والذّلّ للّه ورسوله والمؤمنين وإن كان المرء عزيزا في نفسه كما قال تعالى : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ( المائدة / 54 ) . واصطلاحا : إظهار التّنزّل عن المرتبة لمن يراد تعظيمه ، وقيل : هو تعظيم من فوقه لفضله ، وفي الرّسالة القشيريّة : التّواضع هو الاستسلام للحقّ وترك الاعتراض في الحكم « 3 » . درجات التواضع : للتّواضع ثلاث درجات : الأولى : التّواضع للدّين ، وهو أن لا يعارض بمعقول منقولا . ولا يتّهم للدّين دليلا ، ولا يرى إلى الخلاف سبيلا . والتّواضع للدّين : هو الانقياد لما جاء به الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم والاستسلام له والإذعان وذلك بثلاثة أشياء : الأوّل : أن لا يعارض شيئا ممّا جاء به بشيء من المعارضات الأربعة السّارية في العالم ، المسمّاة بالمعقول ، والقياس ، والذّوق ، والسّياسة . الثّاني : أن لا يتّهم دليلا من أدلّة الدّين ، بحيث يظنّه فاسد الدّلالة ، أو ناقص الدّلالة أو قاصرها ، أو أنّ غيره كان أولى منه . ومتى عرض له شيء من ذلك فليتّهم فهمه ، وليعلم أنّ الآفة منه ، والبليّة فيه ، كما قيل : وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السّقيم ولكن تأخذ الأذهان منه * على قدر القرائح والفهوم

--> ( 1 ) البيت ينسب إلى طرفة بن العبد ( ديوانه ص 171 ) تحقيق د . الجندي . ( 2 ) المقاييس لابن فارس ( 6 / 118 ) ، والمفردات ( 525 وما بعدها ) ، والصحاح ( 3 / 1300 ) . ( 3 ) مدارج السالكين ( 6 / 134 ) . وفتح الباري ( 11 / 341 ) ، دليل الفالحين لابن علان ( 3 / 50 ) .